الشيخ محمد النهاوندي
104
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
المشي إِلَى جهة الدَّاعِ مادّين أعناقهم إليه ، أو ناظرين إليه غير قالعين أبصارهم عنه ، وعند ذلك يَقُولُ الْكافِرُونَ باللّه والرسول واليوم الآخر : هذا اليوم الذي ابتلينا به يَوْمٌ عَسِرٌ وصعب علينا ، شديدة أهواله لنا ، وأمّا المؤمنون فانّهم يقولون : هذا يوم يسير . عن السجّاد عليه السّلام ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام - في حديث - يذكر [ فيه ] أهوال يوم القيامة : « فيشرف الجبّار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة ، فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم : يا معشر الخلائق ، أنصتوا واستمعوا منادي الجبار » قال : « فيستمع آخرهم كما يستمع أولهم فتنكسر أصواتهم عند ذلك ، وتخشع أبصارهم ، وتضطرب فرائصهم ، وتفزغ قلوبهم ، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي قال : « فعند ذلك يقول الكافرون : هذا يوم عسر » « 1 » . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 9 إلى 15 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) ثمّ لمّا ذكر سبحانه المشركين نبوّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله ونسبتهم معجزاته إلى السّحر ، ذكر حال الأمم المهلكة الذين كانوا قبل كفّار مكّة تهويلا لهم وتسلية لحبيبه محمد صلّى اللّه عليه وآله بقوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ بالرسل والآيات قَوْمُ نُوحٍ في دعوى رسالته وتوحيد اللّه ، كما كذّبت قومك رسالتك وآية انشقاق القمر فَكَذَّبُوا لتكذيبهم جميع الرسل عَبْدَنا ورسولنا نوح في دعوى رسالته مع علوّ شأنه ، وبالغوا في تكذيبه حتى رموه بزوال العقل وَقالُوا إنّه مَجْنُونٌ حيث يتكلّم بما لا يتكلّم به عاقل ، ويدعوا إلى ما لا يقبله أحد وَازْدُجِرَ ومنع عن تبليغ رسالته بالشتم والضرب وأنواع الأذى ، حين يئس من إيمانهم ، وترك دعوتهم . وقيل : إنّه من كلام القوم ، والمعنى : ازدجره الجنّ ، وتخبّطه وأفسدته « 2 » . فَدَعا رَبَّهُ بعد يأسه عن إيمانهم ، وكان دعاؤه أَنِّي يا ربّ مَغْلُوبٌ من جهة قومي ، ولا أقدر على دفعهم ومنعهم عن إيذائي ، وعيل صبري فَانْتَصِرْ إذن لعبدك « 3 » نوح ، وانتقم له من أعدائه ، أو انتصر لنفسك من أعدائك ، فاستجبنا دعاءه فَفَتَحْنا لاهلاك قومه أَبْوابَ السَّماءِ
--> ( 1 ) . الكافي 8 : 104 / 79 ، تفسير الصافي 5 : 100 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 271 . ( 3 ) . في النسخة : عبدك .